اختبار صعب لـ قواعد اللعبة الروسية

mohandآخر تحديث : الأربعاء 13 فبراير 2019 - 11:40 صباحًا
اختبار صعب لـ قواعد اللعبة الروسية

MDR

بقلم: محمد السعيد إدريس

إذا كانت الولايات المتحدة قد صدمت في ردود فعل حلفائها جراء قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سحب قوات بلاده من سوريا، وإذا كانت الولايات المتحدة قد أثبتت عجزها عن إرضاء مطالب هؤلاء الحلفاء المتناقضة وبالتحديد: تركيا وقوات سوريا الديمقراطية الكردية وإسرائيل، فإن روسيا تواجه اختباراً أصعب هي الأخرى بين حلفائها: إيران وتركيا وسوريا، إضافة إلى إسرائيل.

مشكلات ومصاعب الولايات المتحدة أقل وطأة، فهي على كل الأحوال مغادرة، ومن المقرر، كما أعلن مؤخراً، أنه بنهاية شهر نيسان المقبل سيكون الانسحاب الأمريكي قد تم بالكامل، هي إذن مشكلات وتداعيات «المغادرة»، أما روسيا فهي تواجه مشكلات ومصاعب «المقيم» الذي عليه أن يضع «قواعد لعبة» جديدة تؤمن مصالح كل هؤلاء الحلفاء والشركاء، من أجل المستقبل، وهذا يبدو مستحيلاً، ولعل هذا ما يجعل لقاء القمة المقبل بين رؤساء روسيا وتركيا وإيران: فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان وحسن روحاني الذي سيعقد بعد غدٍ الخميس (14/2/2019) في منتجع «سوتشي» الروسي، محفوفاً بالمخاطر، لأن المصالح المتعارضة لهؤلاء الحلفاء ستكون مطروحة وجهاً لوجه أمام الرئيس الروسي، وعليه أن يرضى كل الأطراف وإلا فقدت روسيا مصداقية تحالفاتها، لكن الأخطر هو احتمال أن يقوم هؤلاء الحلفاء بنسف ما تطرحه روسيا من «قواعد لعبتها في إدارة الصراعات في سوريا».

روسيا تواجه معضلة حقيقية في التوفيق بين الحليف الإيراني والشريك الإسرائيلي (إن جاز التوصيف) على ضوء الإصرار الإسرائيلي على ضرب قواعد إيران في سوريا، ومنعها (إيران) من تأسيس أي وجود أو نفوذ لها على الأراضي السورية. كما تواجه روسيا معضلة أخرى في التوفيق بين الحليف التركي وبين الحليفين السوري والإيراني فيما يتعلق بـ «أزمة إدلب» وأزمة الإصرار التركي على التمدد العسكري في شمال سوريا تحت مسمى إقامة «منطقة أمنية» على الأراضي السورية لاعتبارات أمنية تركية، وهي مطالب مرفوضة من سوريا وإيران.

فروسيا تواجه أصعب اختباراتها في «سوتشي» ، وربما تواجه العجز الذي واجهه الأمريكيون على ضوء التصعيد الإسرائيلي الأخير ضد إيران في سوريا، فالاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة التي وقعت فجر الاثنين (21/1/2019) في محيط مطار دمشق الدولي حملت معاني جديدة بين تل أبيب ودمشق وطهران وموسكو، تعمل كلها على فرض «قواعد لعبة جديدة» من منظور كل طرف من هذه الأطراف على ضوء العديد من الاعتبارات أولها الاعتراف الإسرائيلي غير المسبوق بشن هذه الاعتداءات وما يحمله هذا الاعتراف من إعلان التحدي والمجاهرة به، على نحو ما جاء على لسان رئيس الحكومة بنيامين نيتانياهو بقوله: «وجه سلاح الجو ضربة قوية ضد أهداف إيرانية في سوريا، بعد ما أطلقت إيران صاروخاً من هناك في اتجاه إسرائيل» وأضاف «لن نسمح بمثل هذه الأعمال العدائية.. نحن نعمل ضد إيران وضد القوات السورية التي هي أدوات العدوان الإيراني».

أما ثاني هذه الاعتبارات فيتعلق بانعكاس الانسحاب الأمريكي من سوريا على أمن إسرائيل وحرصها على إثبات أنها جادة في الدفاع عن أمنها رغم هذا الانسحاب. أما الاعتبار الثالث فهو الحرص بل والإصرار السوري على الرد على هذه الاعتداءات وإسقاط العديد من «الأهداف المعادية»، أما الاعتبار الرابع فيخص الرد الإيراني القوي سواء على لسان الأدميرال على شمخاني أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني الذي هدد بأن أي عدوان على إيران سيكون معناه الحرب التي لن تتردد إيران عن خوضها، أو على لسان قائد القوات الجوية الإيرانية الذي أكد استعداد قوات بلاده لـ «خوض المعركة مع إسرائيل وإزالتها من الوجود».

كيف ستتعامل روسيا مع هذه الاعتبارات المتناقضة، هل سينجح بوتين في استرضاء حسن روحاني ونزع فتيل ما يمكن اعتباره «حرباً» باتت محتملة بين إيران وإسرائيل؟ لكن السؤال الأكثر أهمية هو هل يستطيع بوتين إقناع إسرائيل بوقف هذا التصعيد، وهل في استطاعته دفع الأثمان للطرفين وهي أثمان متعارضة بل ومتناقضة. إيران التي تريد تثبيت وجودها في سوريا، وإسرائيل التي تريد انتزاع هذا الوجود. موقف بوتين شديد الحرج نظراً لوجود يقين إيراني بأن إسرائيل لم تكن تستطيع شن تلك الاعتداءات دون ضوء أخضر روسي. يدعم ذلك صمت روسيا ثلاثة أيام تلت تلك الاعتداءات دون أي تعليق، صمت اعتبره الإسرائيليون «صمتاً صاخباً» على حد توصيف يوسي ميلمان في صحيفة «معاريف».

مأزق روسيا مع الرئيس التركي لا يقل حرجا. فإذا كانت روسيا حريصة على استمرار احتواء تركيا بعد الانسحاب الأمريكي، فإنها ترفض الأنشطة التركية في شمال سوريا، وترفض استمرار التلكؤ التركي في حسم ملف إدلب وتعتزم فرض الخيار العسكري لتصفية آخر بؤر الإرهاب على الأراضي السورية، وهي هنا تقترب كثيراً من سوريا وإيران لكنها تجد نفسها في صدام مع المصالح التركية.

روسيا، على ما يبدو عازمة على حسم مشكلة إدلب وهذا مع حرص نائب وزير الخارجية سيرجي فرشينين على توضيحه في لقائه مع صحيفة «كومير سانت» الروسية بتشديده على أن «روسيا لن تسمح بوجود محميات للإرهاب» وموضحاً أنه «إدلب هي آخر منطقة عاملة بين مناطق خفض التصعيد الأربعة التي تم إنشاؤها عام 2017، وأننا اتفقنا منذ البداية بالنص على أن تدبير خفض التصعيد تدبير مؤقت، وهذا يعني أن لا أحد سيعترف بهذه المنطقة (إدلب) على هذا النحو إلى الأبد»، ومن هنا جاء تأكيد نائب وزير الخارجية الروسي على أن روسيا تعتبر إدلب «جزءاً لا يتجزأ من الدولة والأراضي السورية، ولن نسمح بوجود محميات للإرهاب البغيض في سوريا».

مواقف تركيا مختلفة ، فهي في صراع مع الولايات المتحدة من أجل فرض إرادتها بإقامة «منطقة أمنية» بعمق 30كم في الشمال السوري على حساب قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية حليفة واشنطن، وهي أيضاً تسعى إلى إقناع روسيا بتأجيل أي تحرك عسكري لحل أزمة إدلب إلى حين يتفرغ الجيش التركي من مهامه في الشمال السوري سواء في منبج (غربي الفرات) أو في شرق الفرات في مواجهة وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة أمريكياً.

مصالح متناقضة وتصعيد متبادل والمطلوب من الرئيس الروسي أن ينجح في حل كل تلك التناقضات بكل ما تحمله من تحديات حقيقية تحول دون التوصل إلى «قواعد لعبة» روسية تدير الصراعات بين الحل فاء فى سوريا، وهذا ما يجعل قمة سوتشي اختباراً صعباً للرئيس الروسي.

رابط مختصر
2019-02-13 2019-02-13
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وكالة MDR الاخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

mohand