القدس مرة أخرى …

mohandآخر تحديث : الإثنين 14 يناير 2019 - 12:07 مساءً
القدس مرة أخرى …

MDR

بقلم: يونس العموري

مرة اخرى تكون المأساة مسطرة على طرقات القهر وتتأجج نيران الحقد وتتغذى من اجساد متكورة متكومة تنتظر لحظة الفرار من الموت المنتشر بأزقتها … كان الموت يطاردهم بكل الازمان ومعادلة الوجود سيطرت على تلك اللوحة المعلقة على ابواب المدينة ، والكل نيام هنا ولا سبيل لمعرفة القاتل من المقتول ، والقتل هنا بالمعنى المجازي ، وهو القتل على الأشهاد للهوية وللفعل والإنتماء وللروح التي كانت عروبية الهوا والمنطلق والوجود، حيث اللاحياة في ظل وقائع الواقع المقدسي ، وهل للقاتل صفة اخرى نعجز عن رسم ملامحها؟!

هي مأساة شعب فقد ثقته بكل ما يمكن ان يقال وبصرف النظر عن المُقال والذي سُيقال … هو الشعب الذي اصبح بلا عنوان وفقد ألمعيته مع فقدانه للحضن الحاضن لقضاياه ، بعد ان اصبح بموجب قرار صادر (والموضح لاحقا، والمُتراجع عن مفاهيمه .. ) عن سدنة الحكم الرشيد في عاصمة السراب اجنبي يتم التعامل معه بهذه الصفة ، والسؤال المُكرر المُتكرر يفرض نفسه هل ما زالت منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني في كافة اماكن توجده ، داخل الوطن وخارجه ؟ وبحيثيات القرار انه واستنادا الى قانون الاموال المنقولة وغير المنقولة للجانب .. الخ من القرار … وهنا لابد من الاستفسار حول ما هية الاجنبي وفقا لمنظومة القوانين الحاكمة للواقع ؟ وما هية الجنسية الفلسطينية وفقا ايضا لذات القوانين ..؟؟ وهل من حق السلطة منح الجنسية لمستحقيها؟ وما هي الولاية الجغرافية للجنسية أنفة الذكر ..؟؟ ام ان الجنسية الفلسطينية ما زالت محكومة بمنظومة قوانين اوسلو وما ترتب عنها من ترتيبات إذا ما جاز التعبير قانونية.؟؟

ان تعريف الفلسطيني محكوم حتى اللحظة بمواد الميثاق الوطني الفلسطيني (دستور منظمة التحرير الفلسطينية ) والذي حدد بالسياق من هو الفلسطيني بصرف النظر عن نوع الوثيقة التي يحملها كتعربف عن شخصيته وبحكم سياسة الامر الواقع الراهن ، وحيث ذلك ان نوع الوثيقة التي يحملها الفلسطيني لا تنفي عنه فلسطينته وبالتالي له الحق والأحقية بصفته الفلسطينية وعلى هذا الأساس ثمة خلل باستصدار هكذا مواد تسمى قوانين أو قرارات …

وهنا لا اناقش الهوية المقدسية ومدى شمولية القرار الأخير لرئاسة الوزراء به ام لا.. فحتى الفلسطينيين القاطنين داخل الخط الاخضر وبموجب مواد الميثاق الوطني الفلسطيني هم فلسطينيون وليسو أجانب .. ومن حقهم التملك والايجار والسكن في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية ، وان كان الحديث حول تطبيق القوانين المدنية الفلسطينية على المخالفين ومرتكبي الجرائم من حملة الجنسية الاسرائيلية ( قسرا) وعدم القدرة على محاكمتهم في المحاكم الفلسطينية فاعتقد ان ذلك خلل في منظومة القوانين المنبثقة عن إتفاقيات أوسلو ومفاهيمها ولا يجوز لتفادي هذا الخلل اللجوء الى قرار يتنافي اولا مع مواد الميثاق الوطني ويمس بشكل اساسي بكينونة الشخصية الوطنية الفلسطينية …

وجدتني ومن خلال كل ما تقدم، أحاول أن أرسم معادلة القدس من جديد، وان افهم حيثيات أم المدائن ، وسيدة العصر وأسطورته، فباتت وبرغم الكل تتصدر العناوين من جديد وتحاول أن تنهض بشموخ …. تقف امام الكل لتعلن عن هويتها بكل أهاتها … وتقول ما يمكن ان يٌقال في حضرة القتل والتقتيل للانسان الرابض والمتطلع نحو الارض السمراء … جاءت هذه المرة واستحضرت تاريخا من عبر دروبها ومن انكسر على بواباتها محاولا تركيعها …

لم تخف على كينونتها ابدا ووقفت متحدية كل اشكال تصفيتها منذ البدايات، وعجزوا عن اقتلاعها وحافظت على هويتها وكانت ارادة الحياة فيها الأقوى ودائما كانت الحضن الدافىء للهاربين اليها من بطشهم بصرف النظر عن الباطش والمبطوش …

القدس ليست هنا اليوم بيوميات من ينطقون العربية … وان كانت تفرض المعادلة من جديد … وكل هذا الضجيج ما هو الا ضجيج فارغ المضامين فالقدس ليست هنا هذه الايام وإن كانوا يجعجعون بالصراخ من المدن المجاورة المزيفة والعواصم البلاستيكية ( هنا القدس) وهم يعلمون أن القدس ليست هنا … وان كان لابد ان تكون القدس هنا فهذا السؤال الكبير ولابد من ان تكون الإجابة كبيرة أيضا …

فيا أيها القاعدون على أرصفة التاريخ تستجدون مجدا أو إسما زائلا … إنتظروا قليلا فالمجزرة متواصلة منذ زمن وفصولها لم تكتمل … وللقتل حكاية لا بدّ من اعادة روايتها من جديد على مسامع من يقتل الان بحواري القدس ومن يموت قهرا ويكون له ان يسمى رقما من ارقام شهداء القهر ليس أكثر …

أرادوا ان يمارسوا العيش ان استطاعوا الى ذلك سبيلا …. وكان أن وجدوا انفسهم في معمعان التيه وأولي الأمر فيهم تنازعوا وتصارعوا على الامر والطاعة عند أمراء القبائل الأممية.

وهذه الحكاية من أولها … وهذه قصة من داستهم بساطير عصابات الصهيونية التي تجمعت من بقاع طردوا منها وجاءوا الى أم المدائن لينزعوا عنها إيقاعها ويشوهوا مدماك عمرانها .. ومنذ البدايات كانت ان تحالفت قوات الردع العربية مع عصاباتهم … وتحققت معجزة القرن العشرين كونها توحدت لقصف عاصمة الفقراء وما ذنب لهم سوى انهم قد حلموا بليلة بحضن الجبل المنتصب شموخا بالمكبر الاشم، وكانوا ان سمعوا نداء حفيف أوراق اشجار الصنوبر، ونعيق أصوات غربان ليل غريبة عن المكان وطارئة بتاريخ الزمان، فمنهم من ركب البحر وناجى القمر وشهد الموج على ملحمة سطرتها أكفهم بعتمة ليل اضاءته انتصارات الحب المتشكل بين ضلوعهم على قسوة من عاثوا بالأرض فساداً، وكانت ان إحتضنتهم ارضهم ورحبت بمن يأتون مهللين مكبرين مبتسمين فقد كانوا هنا حيث وقف المسيح عليه السلام يوما مناجيا رب عرش السموات والارض ليشهدوا إنبلاج حقيقة اشياءهم كما البتول مريم حينما ولدت عيسى المخلص نصير فقراء كل الأزمان …. جاؤوا ليرتلوا تعويذة جداتهم المعلقة بأفئدتهم منذ عرفوا ان ثمة وطن مسيج بالغار والياسمين وتنبت فيه ارواح الأنبياء المتجولة بأزقة إيلياء والجلجلة مأسورة بثنايا خرفات تاريخ قتلة الحلم، ومغتالي عصافير البراري كونها تشدو الصبح زقزقة عند أضرحة الشهداء ….

هي الحكاية من أولها أيها السادة … حينما أصبح القتل للمقدسي أمرا مباحا وممكنا ومشروعا من قبل ذاك الذي أبى واستكبر الا أن ينصب ذاته الآمر باسم أمراء الليل والحاقد على ليل العشاق … كان الصمت مدويا يومها … وكانت المذبحة متواصلة بالشمس الساطعة وبوضح النهار … والحصار مستمر … ولا رجوع عن تنفيذ اوامر القتل والتقتيل … فقد صدر الأمر بإبادة ابناء العتيقة المطاردين باللحظة الراهنة وبكل المواقيت … كانوا يحاولون العيش في كنف الحياة …. هذا المقدسي بأعراف القوانين والدساتير لا شيء وهم بدون .. وغير معترف بهم من جوار الجوار .. من شقائق المدن الأخرى التي صار لرعاياها وسكناها اسما وعنواناً وصار لهم جواز سفر ممهورا بختم الدولة بإستثناء أبناء «أور سالم»…. فهم البدون … بدون شيئ وبدون هوية وبدون عنوان أو اسم أو كنية وبالتالي بدون الأب وكمن هم اليتامي يصرخون بالوادي السحيق …

انتظروا قليلا لتستمعوا للقول الفصيح في ظل ترنح معادلة الكفر وسقوط اباطرة المعبد القديم … فقد تجرأت الشاة على السكين … وامعنت في التحدي ووقفت شامخة امام الجزار الممتهن للذبح في حواري الفقراء … ولنا أن نبدا بالأقصوصة … ولنا أن نستذكر حصارهم وصرخاتهم وعذابات ليلهم وخوفهم … والمشهد يكرر ذاته قتل بوضح النهار وزبانية العسس يطاردون ويلهثون خلف القمع ومن يقتل أكثر يصير له الأمر الرفيع والشأن العظيم ….

هي الجثث المصلوبة بالميادين والمسحولة في الشوارع والمتفحمة بالأزقة … هي الصور المؤلمة التي تناقلتها خلسة ذكريات من بقوا احياء ولم ينطقوا ببنت شفة وخافوا وارتعبوا وما تكلموا …هناك حيث تدور المعركة ( بدير ياسين القابضة على الذكرى والذكريات …

يجثو الكابوس في أحضان عجوز ظل لعشرات السنين محاولا تفسير التناقض ما بين القتل بمجزرة بوطن التين والزيتون والقتل على الاسوار الشامخة او في قلب عاصمة اللغة العربية … وتبقى عاصمة عواصم الثقافة العربية…

القتل واحد والقاتل الأول ناطق بعبرية ركيكة فكان قد تعلمها منذ وقت قصير والقاتل الأخر قد يصرخ بالعربية الفصحى ويعلو صوته بالضاد موبخا مرهبا مرعبا … ويشدو بأسم الأوطان العربية المحررة … ويتأهب لوقفة العز هو التناقض مع الذات اعترف … وهو الفعل الصارخ لجلد الضاد أعلم … وهو القمع للنفس البشرية خلال تلك العقود اعتقد …وهو الإنقلاب على كل معايير الانسان وتمردها … وهي الصرخة المكتومة قد تنطلق الأن حينما يعود القتل سيداً للموقف .. وحينما تصبح القدس من جديد عاصمة للفقراء ومسلسل الحكاية يستمر منذ الصلب على روابي الجلجلة.

رابط مختصر
2019-01-14 2019-01-14
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وكالة MDR الاخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

mohand