في مدينة بيت جالا .. حجر عطاالله ابو غطاس لا ينكسر

mohandآخر تحديث : الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 11:50 صباحًا
في مدينة بيت جالا .. حجر عطاالله ابو غطاس لا ينكسر

MDR

بقلم: عيسى قراقع نائب في المجلس التشريعي الفلسطيني –

رئيس هيئة شؤون الاسرى والمحررين سابقا

رأيت الأسير المحرر المخضرم عطاالله أبو غطاس امام ساحة البلدية في مدينة بيت جالا , حيث ستضاء شجرة الميلاد هذا العام , اجراس تدق , اناشيد وترانيم وصلوات ورجاء , اطفال جاءوا من كل الحارات العتيقة , مدينة تخرج من تاريخها وصخورها وذكرياتها تصافح رجلا يقرأ رسالة الميلاد على الحاضرين والغائبين وينظر الى القدس القريبة .

عطاالله ابو غطاس كان من اوائل المعتقلين عام 1967 , امضى ما يزيد عن 15 عاماً في سجون الاحتلال , تعرض للتعذيب في اقبية التحقيق في تلك المرحلة التي استهدفت رجال الثورة الفلسطينية وانطلاق العمل الفدائي في فلسطين .

لا زالت ذاكرة عطالله ابو غطاس تزدحم بالاسماء والشهداء والبطولات والمعانيات , لا زالت افكاره الثورية وهاجة ومندفعة تتمرد على سطوة الزمن والاحتلال , يخبيء اسرار البلد في قلبه ويلم الشظايا , يخرج من بين كل جدار وجدار .

عطالله ابو غطاس المسيحي الوطني القومي العروبي , رائحة الحجارة لا تزال على يديه , لقد عمل سنوات في محجر مع والده , بنى المنازل والعقود والقباب والاقواس الجميلة التي تميز مدينة بيت جالا , حجر ابو غطاس لا يتفتت , لا تاكله الرطوبة , لا يشيخ , لا ينكسر رغم القنابل والموت الذي زحف الى المدينة اكثر من مرة .

من يقترب من عطالله ابو غطاس يجد رائحة السجن في جسده وكلامه , حفلات الضرب والتنكيل والحرمان وسحق هوية الانسان , شهقات رفيقه الشهيد الاسير خليل ابو خديجة يسمعها في كل وقت وحين , صوت الابواب في الليل الثقيل واناشيد الحرية في سجون صرفند ونفحة وعسقلان وكفار يونا , اراه الان ككل عام يقدم القرابين للناس , ارغفة الخبز الخامرة والسماط للمؤمنين والفقراء في عيد الميلاد .

عطالله ابو غطاس ابن مدينة كنعانية جبلية تطل على القدس غربا وعلى كنيسة المهد شرقا وعلى قرى العرقوب جنوبا , مدينة مفتوحة العينين دائما علىى العشب والماء والصلاة وكل الجهات , يحرك اغصان اشجارها هواء البحر المتوسط , يكسوها الزيتون الاخضر , تنفجر الينابيع من صخورها وعيون الماء , كل ما حولها اودية وخضروات وكهوف قديمة كان النساك والرهبان والفدائيون يجتمعون فيها , عبادة واحدة , رصاصة واحدة , كاس واحد , عشاء رباني واحد .

عطالله ابو غطاس يصرخ في الناس : استعدوا , نبع ” بير عونة ” يفيض ويفيض , سيمتليء ” وادي احمد ” و” وادي البير ” رغم الجدار والجرافات والجفاف والمستوطنات الزاحفة , استعدوا زيت هذا العام حامض حامض , زيتونة بيت جالا الرومانية التي عمرها اطول من عمر الاحتلال بالاف السنين تتحرك جذورها في اعماق الارض من جديد , والبساتين والدوالي والنذور فوق المصاطب في الكنائس ..

عطالله ابو غطاس الرجل الثمانيني يقف امام كنيسة البشارة , ايقونة كبيرة للقديس نيقولاوس شفيع وحامي بيت جالا , يشاهده يرد قنابل المحتلين بيديه , يستقبل اللاجئين الهاربين من مذابح النكبة عام 1948 , ويشاهده يغسل اجساد الشهداء , جايل العرجا وجريس قنقر وشادي درويش ونصري ابو رمان وهاني فشر واسامة القربي ورانية خروفة ونديم مطر وموسى جويحات بورق العنب وماء الريحان والزعتر وزهر الرمان , يشعل الشموع فتنهض من مذودها العذراء .

في مدينة بيت جالا , حجر عطالله ابو غطاس لا ينكسر , ما هذه المستوطنة البشعة التي تسمى جيلو ؟ تنهب ارض المدينة وحقولها وتطفيء قناديلها , تجفف ” عين المخرور ” تطرد الطيور والحساسين , لا ماء ولا ارض ولا حب ولا سماء .

في مدينة بيت جالا حجر عطالله ابو غطاس لا ينكسر , نصب الشهيد مار جريس وهو يزرع الرمح في فم الوحش يرحب بالضيوف والعباد القادمين , الكشافة يعزفون السلام الوطني الفلسطيني , الرهبان والراهبات يفتحون نوافذ الاديرة على التقوى والغناء والدعاء .

في مدينة بيت جالا حجر عطالله ابو غطاس لا ينكسر , يلتفت الى وجوه الرجال الاوائل الاحياء والاموات العائدين من الدنيا والاخرة , سالم ابو السبل , بشارة داود , زخريا يعقوب , جبرا خميس , يوسف توما , سلامة المكركر , لويس عبد ربه , نيقولا المفدي , اسكندر الخوري , بنايوت زيدان , جريس ابو دية , انطون صنصور والكثيرون الكثيرون , اطفال المدارس يملأون الساحة في عيد الميلاد , ومن يرى نساء بيت جالا يشعر بوجع المشمش في الخاصرة .

في مدينة بيت جالا حجر عطالله ابو غطاس لا ينكسر , صارت هذه المدينة هي الوطن , نعرفها ولا ندخلها , نشير لها والينا عن بعد ولا نعبر اليها , نحن فيها ولسنا فيها , من يحررنا من هذه الاقفاص والمعازل ويعترف باسماء حجارتنا ؟ يرى اصابعنا على ازاميلها وفؤوسها , يضيء ارواحنا في ليالي الميلاد المجيدة , من يلبي عطش ندائنا التاريخي الى الحرية ؟

في مدينة بيت جالا حجر عطالله ابو غطاس لا ينكسر , رايته في ميدان المنشيَة يمسك بيد الشاعر خليل توما ويردد ”

حمامة حطت على راس المسيح…

كان الصليب لم يزل نبعاً ينز…

والمسامير تصيح…

فلتغرسي منقارك الجميل في جراحي…

تعمدي تعمدي…

ففي غدٍ يصير ريشك الندي…

حدائقا للبائسين والصغار…

هناك صوني موعدي…

رابط مختصر
2018-12-05 2018-12-05
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وكالة MDR الاخبارية الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

mohand